كلمةٌٌ سواء بيننا وبينكم

/ الصفحة الرئيسية

(ملخّص وموجز)

يشكّل المسلمون والمسيحيون معاً ما يزيد على نصف سكان العالم.  ولا يمكن أن يكون هناك سلامٌ مُجدٍ في العالم من دون إحلال السلام والعدالة بين هذين المجتمعين الدينيين؛ فمستقبل العالم يعتمد على السلام بين المسلمين والمسيحيين.

وإن الأساس الذي ينبني عليه السلام والتفاهم موجود أصلاً، وهو جزء من صميم المبادئ التأسيسية لهذين الدينين وهو: حب الإله الواحد، وحب الجار.  وهذه المبادئ يتكرر وجودها في النصوص المقدّسة للإسلام والمسيحية.  فوحدانية الله، وضرورة حبّه تعالى، وضرورة محبة الجار، تعتبر بالنتيجة الأرضية المشتركة بين الإسلام والمسيحية.  وما يلي ليس إلا أمثلة قليلة على هذا:

فأما ما يتصل بوحدانية الله، يقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ} (الإخلاص، 112: 1-2).  وعن ضرورة حبّ الله، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (المزّمل، 73: 8).  وعن ضرورة محبة الجار، يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال: لجاره ما يحّب لنفسه”. “الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله” رواه أبو يعلى والبزار عن أنس، والطبراني عن ابن مسعود

وفي العهد الجديد، يقول عيسى المسيح عليه السلام (إن أول كل الوصايا هي): “اسمع يا إسرائيل.  الربّ إلهنا ربٌّ واحد.  وتحبّ الرب إلهك من كل قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك، ومن كل قدرتك.  هذه هي الوصيّة الأولى، وثانية مثلها هي تحبّ قريبك كنفسك.  ليس وصية أخرى أعظم من هاتين”. (إنجيل مرقس 12: 29-31).

وفي القرآن الكريم، يأمر الله تعالى المسلمين أن يتوجهوا إلى أهل الكتاب (واليهود من أهل الكتاب) بالدعوة التالية:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران، 3 : 64).

وإن الكلمات: ولا نشرك به شيئاً، ترتبط بوحدانية الله، والكلمات: ألاّ نعبد إلا الله، ترتبط بالإخلاص التام لله.  وهكذا فهي جميعها ترتبط بالوصية الأولى والأعظم.  ووفقاً لأحد أقدم تفاسير القرآن الكريم وأكثرها مرجعية، فإن معنى “ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله”، أي’لا ينبغي لأي منا أن يطيع الآخرين فيما فيه مخالفة لأمر الله‘.  وهذا يرتبط بالوصية الثانية لأن العدالة وحرية الدين عنصران هامّان في شأن محبة الجار.

وهكذا، استجابةً لما جاء في القرآن الكريم، فإننا – كمسلمين – ندعو المسيحيين إلى التلاقي معنا على الأسس المشتركة بيننا، والتي هي أيضاً أساسية جداً بالنسبة لديننا وممارسة حياتنا: ندعوهم إلى وصيتي الحب.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على النبي محمد

كلمة سواء بيننا وبينكم

بسم الله الرحمن الرحيم

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
(القرآن الكريم، النحل، 16: 125)

أولا: حـبّ الله

حبّ الله في الإسلام

الشـهادتان

يتألف جوهر العقيدة في الإسلام من الشهادتين (1) وهي قول: ’أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله‘.   وهو الشرط اللازم الذي لا بدَّ منه للإسلام.  ومَنْ ينطق بهما يكون مسلماً، ومن ينكرهما لا يكون مسلماً.  إضافة إلى ذلك، فإن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: “أفضل الذكر لا إله إلا الله….” (2).

أفضل ما قاله جميع الأنبياء

ويقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً متوسعاً في مفهوم أفضل الذكر:  ”وخير ما قلت – أنا والنبيّون من قبلي – لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” (3).  والعبارات التي تلي الشهادة الأولى، واردة جميعها في القرآن الكريم، وتصفُ كل منها نمطاً من حبّ الله، والإخلاص له تعالى.

وكلمة “وحده” تذكّر المسلمين بأن قلوبهم (4) يجب أن تكون مخلصةً لله وحده، ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في القرآن الكريم: {ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب، 33: 4).  والله تعالى هو الصمد المتصف بالكمال المطلق ولذلك لا بدَّ أن يكون الإخلاص له تعالى خالصاً تماماً.

وعبارة “لا شريك له” تذكّر المسلمين بأنه يجب عليهم أن يُفردوا الله بالحب، دون أن يُشْركوا معه أنداداً في نفوسهم، إذ يقول الله في القرآن الكريم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ …} (البقرة، 2: 165).  وأيضاً، {.. تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ….} (الزمر، 39: 23).

وعبارة ” له المُلْك” تذكّر المسلمين أن عقولهم أو فهومهم يجب أن تكون كلها مخلصة لله، لأن المُلْك يعني بشكل دقيق كلَّ شيء في الخَلْق أو الوجود، وأي شيء يمكن أن يدركه العقل؛  وكل ذلك بيد الله، إذ يقول جلّ شأنه في القرآن الكريم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الملك، 67: 1).

وإن عبارة ” له الحمد” تذكّر المسلمين أنه ينبغي عليهم أن يكونوا شاكرين لله، يتوكلون عليه ثقة به سبحانه بكل مشاعرهم وعواطفهم.  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.  اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (العنكبوت، 29: 61-63)(5).

ومن أجل كل هذه النعم، والكثير غيرها، ينبغي أن يكون الإنسان دائماً شاكراً لله بإخلاص:

{اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ.  وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.  وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (ابراهيم 14: 32-34) (6).

وعلاوة على ذلك، فإن سورة الفاتحة،  وهي أعظم سورة في القرآن الكريم (7)، تبدأ بحمد الله:

{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ.   الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.  الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ.  مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.   إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.  اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ.  صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} (الفاتحة، 1: 1-7).

وسورة الفاتحة التي يتلوها المسلمون سبع عشرة مرّة يومياً على الأقل في صلواتهم المفروضة، تذكرّنا بالحمد والشكر الواجبين لله تعالى على نعمه التي لا تحصى ورحمته الواسعة، التي لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا، بل في نهاية الأمر تشملنا يوم الحساب (8)، حيث يعظم الخطب، فنرجو حينها أن تُغْفر خطايانا.  ومن ثمّ تُختم الفاتحة بالدعاء بالإنعام والهداية، من أجل أن نُكرمَ – من خلال ما بدأت به من الحمد والثناء – بالخلاص والحب؛ إذ يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (مريم 19: 96).

وإن عبارة “وهو على كل شيء قدير” تذكّر المسلمين بأنه يتوجب عليهم أن يكونوا على وعي بعظمة الله وقدرته فيحملهم ذلك على أن يتقوه (9).  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{… وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.  وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة، 2: 194 – 195).
{… وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (البقرة 2: 196)

ومن طريق تقوى الله تعالى تكون أعمال المسلمين وهمّتهم وقوتهم خالصةً تماماً له سبحانه.  يقول الباري جلّ وعلا في القرآن الكريم:

{… وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة،  9: 36)…
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ.  إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة، 9: 38 -39).

هذا وإن عبارات “له المُلْك”، و”له الحمد”، و “وهو على كل شيء قدير” إذا ما أُخذت مجتمعة تذكّر المسلمين بأنه مثلما أنّ كل المخلوقات تسبّحُ الله تعالى، فإن كلّ شيء في نفوسهم يجب أن يكون خالصاً لله:

{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التغابن، 64: 1).

لأن كلّ ما في نفوس البشر حقيقةً يعلمُه الله وهم عنه مسؤولون:

{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (التغابن، 64: 4).

وكما يمكن أن نرى من مقاطع الآيات المستشهد بها أعلاه، فإن النفوس كما يصوّرها القرآن الكريم لها ثلاث ملكات رئيسة: العقل أو الذكاء: المخلوق لفهم الحقيقة؛ والإرادة: المخلوقة من أجل حرية الاختيار؛ والعاطفة: المخلوقة من أجل حب الخير والجمال (10).  وبعبارة أخرى، يمكن القول إن نفس الإنسان تدرك الحقيقةَ من خلال الفهم، والخيرَ من خلال الإرادة، وحبَ الله تعالى من خلال العواطف الفاضلة والشعور.  ومواصلةً لما جاء في السورة ذاتها في القرآن الكريم (كالتي استشهد بها أعلاه)، يأمر الله تعالى الناسَ أن يتقوه ما استطاعوا، وأن يستمعوا (وبذلك يدركون الحقيقة)، وأن يطيعوا (وبذلك يريدون الخير)، وأن ينفقوا (وبذلك يعيشون الحب والفضيلة)؛ وهذا الذي قال عنه سبحانه بأنه خيرٌ لأنفسنا.  ومن خلال إشراك كل الملكات في أنفسنا – المعرفة، والإرادة، والحب – يمكننا أن نصل إلى التزكية وأن نحقق غاية الفلاح:

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن، 64: 16).

هكذا وباختصار، عندما تضاف العبارة بكاملها ’وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‘، إلى شهادة الإيمان – لا إله إلاّ الله – فإنها تذكّر المسلمين أن قلوبهم ونفوسهم، وجميع الملكات والقوى المودعة فيها (أو ببساطة مجامع قلوبهم ونفوسهم) يجب أن تكون خالصة تماماً لله متصلة به سبحانه.  وفي هذا، يقول الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم:

{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.  قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى …} (الأنعام 6: 162 – 164).

وهذه الآيات تلخص صورة إخلاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التام والكامل لله تعالى.  ومن ثمّ يأمر الله تعالى في القرآن الكريم المسلمين الذين يحبّون الله حقاً أن يتّبِعوا هذه القدوة (11)، كي يحبّهم (12)الله:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران، 3: 31)

ولذلك فإن حبّ الله تعالى في الإسلام جزء من الإخلاص التام الكلّي له سبحانه، وليس مجرد عاطفة عابرة جزئية.  وكما هو مبيّن أعلاه، فإن الله جلّ وعلا يأمر في القرآن الكريم: ’’قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ / لاَ شَرِيكَ لَهُ‘‘.  وإن الدعوة للإخلاص التام لله والارتباط الكامل به سبحانه، قلباً ونفساً، والتي هي أبعد ما تكون عن الدعوة إلى مجرد عاطفة أو حالة نفسية معينة، هي في الحقيقة أمرٌ يطالب الإنسان بحبّ كامل متواصل لا تخبو شعلته لله تعالى.  هي دعوة تطالب بحبًٍ يسري في أعماق القلب والروح والنفس وبما فيها من ملكات الذكاء والإرادة والشعور من طريق الإخلاص له سبحانه.

ليس هناك ما هو أفضل 

لقد رأينا كيف أن العبارة الجليلة في الحديث الشريف  ’وخير ما قلت، أنا والنبيّون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير‘ – توضح مضمون عبارة “أفضل الذكر (لا إله إلا الله)”، من خلال تبيان ما تتطلبه وتستلزمه، عن طريق الإخلاص.  ولابدَّ من التنويه بأن هذه الصيغة المباركة هي أيضاً في حدّ ذاتها ابتهال مقدّس – نوع من الاتساع في شهادة الإيمان الأولى (لا إله إلا الله) – والتي يمكن لتلاوتها المتكررة تقرباً إلى الله أن تحدث – بعون الله – بعضاً من المشاعر الإيمانية التي تطلبها، خصوصاً الحب، وأن يشعر المرء بإخلاصه لله تعالى بمجامع قلبه، ونفسه، وعقله، وإرادته أو عزيمته، وأحاسيسه.  ولذلك، أثنى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الذكر بقوله:

“مَنْ قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومٍ مائة مرة كانت له عَدْل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيّئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك”(13).

وبعبارة أخرى، فإن صيغة الذكر المباركة، “لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”، لا تستلزم وتتضمن فقط أنّ المسلمين يجب عليهم أن يكونوا مخلصين تماماً لله، وأن يحبّوه بمجامع قلوبهم ونفوسهم وبكل ما فيها، بل تتيح لهم طريقةً، كما بدايتها (شهادة الإيمان) – من خلال تكرارها (14) – لتحقيق هذا الحب بكل مكونات إنسانيتهم.

يقول الله تعالى في آية من أوائل ما نزل من آيات القرآن الكريم:

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (المزمل 73: 8). 

 

حب الله باعتباره الوصية الأولى والأعظم في الإنجيل

يقول نص “السماع” في سفر التثنية (6: 4-5) ، وهو جزء هامّ جداً من العهد القديم، ومن الطقوس الدينية اليهودية: ” اسمع يا إسرائيل.  الرب إلهنا رب واحد! /.  فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك”(15).

ومثل ذلك نجده في العهد الجديد أن عيسى المسيح عليه السلام أجاب، عندما سئل عن أعظم الوصايا، قائلاً:

” أما الفريسيّون فلما سمعوا أنه أبكَمَ الصدوقيين اجتمعوا معاً. /  وسأله واحد منهم وهو ناموسي ليجربه قائلاً، /” يا معلم أيِّة وصية هي العظمى في الناموس؟ / فقال له يسوع ” ’تحبّ الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك.‘ /  هذه هي الوصية الأولى والعظمى. / والثانية مثلها: ’ تحبّ قريبك كنفسك.‘ /  بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء” ( إنجيل متى 22: 34-40).

وأيضاً:

“فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسناً سأله ” أية وصية هي أوّل الكل؟” / فأجابه يسوع ” إن أول كل الوصايا هي: ’اسمع يا إسرائيل.  الرب إلهنا رب واحد. /  وتحب الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك‘.  هذه هي الوصية الأولى. /  وثانية مثلها هي ’تحبّ قريبك كنفسك.‘  ليس وصية أخرى أعظم من هاتين” ( إنجيل مرقس 12: 28-31).

وهكذا، فإن الوصية بأن تحب الله بصورة تامة هي الأولى والأعظم بين وصايا الإنجيل.  وفي واقع الأمر، نجدها في أماكن عديدة في الإنجيل بما في ذلك: سفر التثنية 4: 29، 10: 12، 11: 13 (وأيضاً كجزء من “السماع”)، 13: 3، 26: 16، 30: 2، 30: 6، 30: 10؛ سفر يشوع 22: 5؛ إنجيل مرقس 12: 32-33؛ إنجيل لوقا 10: 27-28.

ومع ذلك، ففي هذه الأماكن المتنوعة في الإنجيل، تأتي العبارات بأشكال وصيغ مختلفة قليلاً.  فعلى سبيل المثال نجد في إنجيل متى 22: 37 (تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك).  فالكلمة اليونانية التي تعني “القلب” هي ” كارديا kardia”، والكلمة التي تعنى “النفس” هي “سايكه psyche”، والكلمة التي تعنى “الفكر” أو “العقل” هي “ديانويا dianoia”.  بينما نجد في الصيغة الواردة في إنجيل مرقس 12: 30 (وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك) أن كلمة “القدرة” أضيفت إلى الكلمات الثلاثة آنفة الذكر، ترجمةً للكلمة اليونانية ” إيسشوس ischus “.

وكلمات الناموسي في إنجيل لوقا 10: 27 (التي يؤكدها عيسى المسيح عليه السلام في إنجيل لوقا 10: 28) تشتمل على الكلمات الأربعة الواردة في إنجيل مرقس 12: 30.  وكلمات الكاتب في إنجيل مرقس 12: 32 (التي يوافقها عيسى المسيح عليه السلام في إنجيل مرقس 12: 34) تشتمل على التعابير الثلاثة “كارديا” (“القلب”) و”ديانويا” (“الفكر” أو “العقل”) و”إيسشوس” (“القدرة”).

وفي نص “السماع” الوارد في سفر التثنية 6: 4-5: (اسمع يا إسرائيل.  الرب إلهنا رب واحد.  فتحب الربّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك).  والكلمة التي تعني “القلب” في اللغة العبرية هي ” ليف lev” والكلمة التي تعني “النفس” هي “نِفِش nefesh” والكلمة التي تعني “القدرة” هي ” ميعود me’od “.

وفي سفر يشوع 22: 5، يأمُر يشوع عليه السلام الإسرائيليين بأن يحبّوا الله ويخلصوا له، على النحو التالي:

“وإنما احرصوا جداً أن تطبقوا الوصية والشريعة التي أمركم بها موسى عبد الرب، أن تحبّوا الرب إلهكم، وتسيروا في كل طرقه، وتحفظوا وصاياه، وتتمسكوا به وتعبدوه من كل قلبكم ونفسكم” (سفر يشوع 22: 5).

والمشترك في جميع هذه الصيغ – بالرغم من الاختلافات اللغوية بين العهد القديم المدوّن باللغة العبرية، والكلمات الأصلية لعيسى المسيح عليه السلام بالآرامية، وما نُشر فعلياً من العهد الجديد باللغة اليونانية – هو الأمر بحب الله بصورة تامة بكل ما في قلب الإنسان ونفسه، والإخلاص الكامل له جلّ جلاله.  وهذه هي الوصيّة الأولى والأعظم لبني البشر. 

وفي ضوء ما رأيناه بالضرورة مُتضّمَناً ومَدْعوّاً إليه في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “وخير ما قلت – أنا والنبيّون من قبلي – لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”(16)، ربما يمكننا الآن فهم العبارة التي تقول “وخير ما قلت، أنا والنبيّون من قبلي” على أنها تعادل بدقة بين الصيغة المباركة “لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”، و”الوصية الأولى والأعظم” بأن يحبّ المرء اللهَ بكل ما في قلبه ونفسه، التي نجدها في أماكن متعددة في الإنجيل.  وهذا يعني، بعبارة أخرى، أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ربما كان، من خلال الوحي، يقول من جديد وصية الإنجيل الأولى ويلمح إليها.  والله أعلم، ولكننا بالتأكيد رأينا التشابه الفعال بينهما في المعنى.  إضافة إلى ذلك، فإننا نعلم أيضاً (كما هو موضّح في الهوامش والتعليقات) أن كلتا الصيغتين لهما موازٍ هامّ آخر: يتمثل في الطريقة التي تردان بها في عدد من النُسَخ والقوالب المختلفة قليلاً في سياقات مختلفة، والتي تؤكد جميعها، مع ذلك، على مكان الصدارة لحب الله والإخلاص له بصورة تامة (17).

 

ثانيا: حب الجار

حب الجار في الإسلام

هناك العديد من الوصايا في الإسلام حول ضرورة حب الجار والشعور بالرحمة تجاهه، والأهمية القصوى لذلك.  وحب الجار جزء أساسي لا يتجزّأ من الإيمان بالله وحبّه، لأنه في الإسلام لا إيمان حقيقي بالله ولا تقوى، دون حبّ الجار.  يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو قال: لجاره ما يحّب لنفسه” (19).

ومع ذلك، فإن التلطف بالجار والتعاطف معه – وحتى أداء الصلوات المفروضة – ليست كافية، إذ  لا بدََّ أن يصحب ذلك كرم وتضحية بالذات.  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (20) وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ( البقرة 2: 177).

ويقول تعالى أيضاً:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران 3: 92).

ودون أن نعطي الجار ما نحبّه لأنفسنا، فإننا لا نكون محبّين بصدق لله أو للجار. 

 

حب الجار في الإنجيل

لقد أوردنا كلمات عيسى المسيح عليه السلام حول الأهمية القصوى لحب الجار التي تأتي في المقام الثاني بعد حبّ الله:

“هذه هي الوصية الأولى والعظمى. / والثانية مثلها. ’تحبّ قريبك كنفسك‘.  بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء” (إنجيل متّى 22: 38-40).

وأيضاً:

“وثانية مثلها هي ’تحبّ قريبك كنفسك‘.  ليس وصية أخرى أعظم من هاتين” (إنجيل مرقس 12: 31).

ويبقى أن نلاحظ أن هذه الوصية موجودة أيضاً في العهد القديم:

“لا تبغض أخاك في قلبك.  إنذاراً تنذر صاحبك ولا تحمل لأجله خطيّة. /  لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحبّ قريبك كنفسك.  أنا الربّ” (سفر اللاويين  19: 17-18).

وهكذا فإن الوصية الثانية، مثل الأولى، تطالب بالكرم والتضحية بالذات، و”بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء”. 

 

ثالثا: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم

كلمة سواء

في الوقت الذي يعتبر فيه الإسلام والمسيحية دينين مختلفين بوضوح – وفي نفس الوقت لا يوجد تقّليلٌ لبعض الاختلافات الشكلية بينهما – من الواضح أن الوصيتين العظيمتين تشكلان مجالاً لأرضية مشتركة وصلة بين القرآن الكريم، والتوراة، والعهد الجديد.  وإن الذي يمهّد للوصيتين في التوراة والعهد الجديد، وما تنبثقان منه، هو وحدانية الله – بأن هناك فقط إله واحد.  إذ أن نص “السماع” في التوراة (سفر التثنية 6: 4) تبدأ بعبارات: “اسمع يا إسرائيل: الربّ إلهنا رب واحد”.  ومثل ذلك، يقول المسيح عليه السلام (إنجيل مرقس 12: 29): “إن أوّل كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الربّ إلهنا رب واحد”.  ويشبه ذلك، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:  {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.  اللَّهُ الصَّمَدُ} (الإخلاص، 112: 1-2).  وعلى ذلك تشكّل وحدانية الله، وحبّه، وحبّ الجار، أرضية مشتركة يتأسس عليها الإسلام والمسيحية (واليهودية).

ولا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك، لأن عيسى المسيح عليه السلام قال: (إنجيل متى  22: 40) “بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء”.  وعلاوة على ذلك، فإن الله يؤكد في القرآن الكريم أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتِ بشيء جديد بصورة أساسية أو جوهرية: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ…} (فصلت 41: 43).   و{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (الأحقاف، 46: 9).  وهكذا فإن الله أيضاً يؤكد في القرآن الكريم أن الحقائق الأزلية ذاتها بشأن وحدانية الله، وضرورة الحبّ الخالص لله والإخلاص التام له سبحانه (ومن ثمّ اجتناب الطاغوت)، وضرورة حب إخوانك من بني البشر (ومن ثمّ العدالة)، كل ذلك يرتكز عليه الدين الحق برمته:

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل 16: 36)
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...} (الحديد، 57: 25).

تعالوا إلى كلمة سواء!

يخاطب اللهُ تعالى المسلمين في القرآن الكريم بأن يعلنوا الدعوة التالية للمسيحيين (واليهود – أهل الكتاب):

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران، 3: 64).

ومن الواضح أن الكلمات المباركة “ولا نُشرك به شيئاً” ترتبط بوحدانية الله.  ومن الواضح أيضاً أن عبارة ” ألاّ نعبد إلاّ الله” ترتبط بالإخلاص التام لله تعالى، ومن ثمّ فهي ترتبط بالوصية الأولى والأعظم.  ووفقاً لأحد أقدم تفاسير القرآن الكريم وأكثرها مرجعية، وهو جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (توفي سنة 310 هجرية /923 ميلادية) – فإن معنى: “ولا يتخّذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله”، أي’لا ينبغي لأيّ منا أن يطيع الآخرين فيما فيه مخالفة لأمر الله‘، وأن لا نعظّمهم بأن نخرّ ساجدين أمامهم كما السجود لله تعالى‘.  وبعبارة أخرى، إن المسلمين، والمسيحيين، واليهود، يجب أن يكونوا أحراراً في الاستجابة لأمر الله بأن يتبع كلّ منهم ما أمرهم الله به، وأن لا يخرّوا ساجدين أمام الملوك وأشباههم‘ (21)، ذلك أن الله تعالى يقول في مكان آخر في القرآن الكريم: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة، 2: 256).  وهذا يرتبط بصورة واضحة بالوصية الثانية وبحب الجار حيث تشكل العدالة (22) وحرية الدين جزءاً أساسياً هاماً منهما.   يقول الله في القرآن الكريم:

{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة 60: 8).

وهكذا فإننا معشر المسلمين ندعو المسيحيين إلى أن يتذكروا كلمات عيسى المسيح عليه السلام في الإنجيل (إنجيل مرقس، 12: 29-31)، وهي أن:

“….الربّ إلهنا ربّ واحد. / وتحبّ الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك.  هذه هي الوصية الأولى. / وثانية مثلها هي  ’تحبّ قريبك كنفسك‘.   ليس وصية أخرى أعظم من هاتين”.

وكمسلمين، نقول للمسيحيين إننا لسنا ضدهم، وإن الإسلام ليس ضدهم – ما داموا لا يشنّون الحرب ضد المسلمين بسبب دينهم، أو يضطهدونهم ويخرجونهم من ديارهم، (وفقاً للآية الكريمة في القرآن الكريم – الممتحنة، 60: 8 – المستشهد بها أعلاه).  إضافة إلى ذلك، يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.  يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.  وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (آل عمران، 3: 113-115)

وهل الديانة المسيحية بالضرورة ضد المسلمين؟  يقول عيسى المسيح عليه السلام في الإنجيل:

“مَنْ ليس معي فهو عليّ ومن لا يجمع معي فهو يفرّق” (إنجيل متّى 12: 30)
“لأنَّ مَنْ ليس علينا فهو معنا” (إنجيل مرقس، 9: 40)
“….لأنَّ من ليس علينا فهو معنا” (إنجيل لوقا، 9: 50)

ووفقاً لشرح العهد الجديد لغبطة الأسقف ثيوفيلاكت (23)، فإن هذه العبارات ليست متناقضة، لأن العبارة الأولى (في النص اليوناني الفعلي للعهد الجديد) تشير إلى الشياطين؛ بينما تشير العباراتان الثانية والثالثة إلى الناس الذين اعترفوا بالمسيح، ولكنهم لم يكونوا مسيحيين.  والمسلمون يؤمنون بعيسى عليه السلام باعتباره المسيح، ليس بالطريقة ذاتها التي يؤمن بها المسيحيون (إلا أنه على كل حال، لم يتفق المسيحيون أنفسهم جميعاً أبداً على طبيعة عيسى المسيح عليه السلام)، وإنما إيمان المسلمين به بالطريقة التالية: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} (النساء، 4: 171).  ولهذا فإننا ندعو المسيحيين إلى أن لا يعتبروا المسلمين ضدهم بل يعتبرونهم معهم، وفقاً لكلمات عيسى المسيح عليه السلام التي أوردناها.

وفي الختام، فإننا كمسلمين، نطلب من المسيحيين، استجابة للقرآن الكريم، أن يلتقوا معنا، على الأساسيات المشتركة لدينَينا… {… أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} (آل عمران، 3: 64).

ولتكن هذه الأرضية المشتركة هي أساس جميع اجتماعات الحوار بين الأديان في المستقبل فيما بيننا، لأن هذه الأرضية المشتركة هي التي بها “يتعلق الناموس كله والأنبياء” (إنجيل متّى 22: 40).  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.  فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة، 2: 136 – 137).

بيننا وبينكم

إن إيجاد أرضية مشتركة بين المسلمين والمسيحيين ليس مجرد مسألة حوار ’مسكوني‘ مهذب بين صفوةٍ مختارة من القادة الدينيين.  فالمسيحية والإسلام هما الدينين الأول والثاني من حيث عدد أتباعهما في العالم وفي التاريخ؛ حيث يشكل المسيحيون والمسلمون حسب التقارير ما يزيد على ثلث العالم وخمسه على التوالي.  وهم يشكلون معاً أكثر من 55٪ من عدد سكان العالم، مما يجعل حُسن العلاقة بين مجتمعات هذين الدينين أهم عامل من العوامل المساهمة في إحلال سلام مجدٍ في أرجاء العالم.   وإذا لم يكن المسلمون والمسيحيون في حالة سلام، فلا يمكن للعالم أن ينعم بالسلام.  ومع وجود الأسلحة الرهيبة في العالم الحديث، ومع تشابك المسلمين والمسيحيين في كل مكان كما لم يُعهد من قبل، لا يمكن في صراع بين أكثر من نصف سكان العالم أن يحرز جانب واحد نصراً وحْدَه.  ولذلك فإن مستقبلنا المشترك في خطر.  وربما كان بقاء العالم نفسه في خطر.

ونقول لأولئك الذين يستسيغون النزاع والدمار من أجل أهوائهم بالرغم من ذلك، أو يحسبون أنهم سوف يحققون الفوز في نهاية المطاف من خلال النزاع والدمار: إن أرواحنا الخالدة ذاتها في خطر أيضاً إذا ما أخفقنا في بذل كل الجهود المخلصة الممكنة لإحلال السلام والالتقاء معاً بانسجام.

يقول تعالى في القرآن الكريم: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل، 16: 90).  ويقول عيسى المسيح عليه السلام: “طوبى لصانعي السلام“  (إنجيل متّى 5: 9)، ويقول أيضاً:  ” لأنّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟” (إنجيل متّى 16: 26).

ولذلك فلنعمل على أن لا تسبّبَ اختلافاتُنا الكراهيةَ والشقاقَ بيننا.  ولنتنافس فقط فيما بيننا في ميادين الفضيلة والخَيْرات.  وليحترم بعضنا بعضا ، ولنكن منصفين، وعادلين، و ودودين، بعضنا تجاه البعض الآخر، ولنعش في ظلال سلام مخلص، وبانسجام ونيّة طيبة متبادلة.  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة، 5: 48).

والسلام عليكم.

 

هوامش وتعليقات


(1)

الشهادتان بأنه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تردان كلتاهما كعبارات (وإن بصورة منفصلة) في القرآن الكريم في (محمّد 47: 19، والفتح 48: 29، على التوالي).

(2)

سنن الترمذي، كتاب الدعوات، 462/5، رقم 3383؛ سنن ابن ماجة، 1249/2.

(3)

سنن الترمذي، كتاب الدعوات، حديث رقم 3934.   ويبدأ الحديث بعبارة ” خير الدعاء دعاء عرفة…”.

من الجدير بالذكر أن العبارات الإضافية: وحده، لا شريك له، له المُلْك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وردت جميعها في القرآن الكريم، بهذا النص المذكور، وإن كان ورودها في مقاطع مختلفة.  “وحده” – إشارة إلى الله جلّ جلاله – نجدها قد وردت ست مرّات على الأقل في القرآن الكريم (7 :70، 14: 40، 39: 45 ، 40: 12، 40: 84، 60: 4).  “لا شريك له” نجدها بهذا النص ذاته مرّة واحدة على الأقل (الأنعام 6: 173).  “له المُلْك” و “له الحمد” و “وهو على كل شيء قدير” نجدها هكذا تماماً مرّة واحدة في القرآن الكريم (التغابن 64: 1)، وأجزاء منها نجدها في عدد من المرات الأخرى (على سبيل المثال، الكلمات “وهو على كل شيء قدير” نجدها على الأقل خمس مرات، 5: 120، 11: 4، 30: 50، 42: 9، 57: 2).

(4)

القلـب

في الإسلام، يعتبر القلب (الروحي، لا المادي) عضو إدراك المعرفة الروحية والميتافيزيقية.  وبخصوص واحدة من أعظم رؤى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يقول الله في القرآن الكريم:  “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى” (النجم، 53 :11)…. وأيضاً، يقول الله تعالى في مكان آخر في القرآن الكريم:  ”….فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج 22: 46، انظر الآية كاملة، وانظر أيضاً، 2: 9-10، 2: 74، 8: 24، 26: 88-89، 48: 4، 83: 14 وما بعدها).  وفي الواقع هناك أكثر من مائة مرّة ذكر فيها القلب ومرادفاته في القرآن الكريم).

والآن هناك أوجه فهم مختلفة بين المسلمين فيما يتعلق بالرؤية المباشرة لله تعالى (مقابل الحقائق الروحية في حدّ ذاتها)، سواء في هذه الحياة الدنيا أو الآخرة – يقول الله تعالى في القرآن الكريم (عن يوم القيامة): “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ.  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة، 75: 22-23)

ومع ذلك، يقول الله أيضاً في القرآن الكريم:

“ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.  لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.  قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ” (الأنعام، 6: 102 – 104).

ومهما يكن، فمن الواضح أن المفهوم الإسلامي للقلب (الروحي) لا يختلف كثيراً عن المفهوم المسيحي له، كما يتضح من كلمات عيسى المسيح عليه السلام في العهد الجديد: “طوبى لأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله” ((إنجيل متّى 5: 8) ، وكلمات القديس بولس: “فإننا ننظر الآن في مرآةٍ في لغز لكن حينئذ وجهاً لوجه.  الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت” (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، الاصحاح 13: 12).

(5)

انظر أيضاً: لقمان، 31: 25.

(6)

انظر أيضاً: النحل، 16: 3-18.

(7)

صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في فاتحة الكتاب (الحديث رقم 1)؛ أيضاً: صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، (الحديث رقم 9)، رقم 5006.

(8)  

قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

“إن لله مائة رحمة.  أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوامّ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها.  وأخّرَ الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة”  (صحيح مسلم، كتاب التوبة،2108/4 ؛ 2752/19 ؛ انظر أيضاً صحيح البخاري، كتاب الرقاق، رقم 6469).

 

(9)

مخافة الله هي بداية الحكمة

يروى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “رأس الحكمة مخافة الله” (مسند الشهاب 100/1؛ الدليمي، مسند الفردوس، 270/2؛ الحكيم الترمذي، نوادر الأصول في أخبار معرفة الرسول 84/3؛ البيهقي، الدلائل، والبيهقي شُعَب الإيمان؛ ابن لال، المكارم؛ الأشعري، الأمثال، وغيرها).
وهذا يشبه بوضوح كلمات النبي سليمان عليه السلام في الإنجيل: “بدء الحكمة مخافة الرب...” (الأمثال 9: 10)، و “مخافة الرب بداية المعرفة” (الأمثال 1: 7)

(10)

الذكاء والإرادة والعاطفة في القرآن الكريم

وهكذا فإن الله تعالى يخاطب البشر، في القرآن الكريم، بأن يؤمنوا به ويدعونه (وبهذا يستعملون العقل أو الذكاء)، مستصحبين الرهبة (والتي تحفز الإرادة)، والأمل (ومن ثمّ العاطفة):

{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة، 32: 15-17).

{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.  وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف، 7: 55-56).

وأيضاً، يصف القرآن الكريم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعبارات تُظهر المعرفة (ومن ثمِّ العقل أو الذكاء) وتبعث في النفس الأمل (ومن ثمَّ العاطفة) وتطبع فيها الرهبة والخشية (ومن ثمَّ تحفز الإرادة):

 

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} (الأحزاب، 33: 45)
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} (الفتح، 48: 8)

 

(11)

أسوة حسنة

إن حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لله تعالى وإخلاصه التام له، يمثّل بالنسبة للمسلمين القدوة التي يسعون إلى التأسي بها.  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب، 33: 21).

وهذا الحب بكليته  يتنافى مع الإخلاد إلى الدنيا وحب الذات، وهو في حدّ ذاته جميل وأثير لدى المسلمين.  حبّ الله في حدّ ذاته أثير لدى المسلمين.  يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

 

{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} (الحجرات 49: 7).

 

(12)

هذا “الحب الخاص” هو علاوة على ذلك من رحمة الله العامة التي {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ …} (الأعراف، 7: 156)؛ والله أعلم.

(13)

صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفات إبليس وجنوده؛ الحديث رقم 3329.

صيغ أخرى للحديث الشريف

إن هذا الحديث الشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، موجود في عشرات الأحاديث (المروية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم) في سياقات مختلفة وبصيغ تختلف قليلاً عن بعضها بعضاً.

والحديث الذي استشهدنا به في أماكن مختلفة هنا (لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) هو في واقع الأمر الصيغة الأقصر. والحديث موجود في صحيح البخاري:  كتاب الأذان (رقم 852)؛ كتاب التهّجد (رقم 1163)؛ كتاب العمرة (رقم 1825)؛ كتاب بدء الخلق (رقم 3329)؛ كتاب الدعوات (الأرقام 6404، 6458، 6477)؛ كتاب الرقاق (رقم 6551)؛ كتاب الاعتصام بالكتاب (رقم 7378)؛ وفي صحيح مسلم: كتاب المساجد (الأرقام 1366، 1368، 1370، 1371، 1380)؛ كتاب الحج (الرقمان 3009، 3343)؛ كتاب الذكر والدعاء (الأرقام 7018، 7020، 7082، 7084)؛ وفي سنن أبي داود: كتاب الوتر (الأرقام 1506، 1507، 1508)، كتاب الجهاد (الرقم 2772)، كتاب الخراج (رقم 2989)، كتاب الأدب (الأرقام 5062، 5073، 5079)؛ وفي سنن الترمذي: كتاب الحج (رقم 965)، كتاب الدعوات (الأرقام 3718، 3743، 3984)؛ وفي سنن النسائي: كتاب السهو (الأرقام 1347، 1348، 1349، 1350، 1351)، كتاب مناسك الحج (الأرقام2985، 2997)، كتاب الإيمان والنذور (رقم 3793)؛ وفي سنن ابن ماجة: كتاب الأدب (رقم 3930)، كتاب الدعاء (الرقمان 4000، 4011)؛ وفي موطأ مالك: كتاب القرآن (الرقمان 492، 494)، كتاب الحج (رقم 831).

وهناك صيغة أطول تشتمل على الكلمتين ” يُحْيي ويُميت” – (لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له المُلْك، وله الحمد، يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير) – نجدها في سنن أبي داود: كتاب المناسك (رقم 1907)؛ وفي سنن الترمذي: كتاب الصلاح (رقم 300)، كتاب الدعوات (الأرقام 3804، 3811، 3877، 3901)؛ وفي سنن النسائي: كتاب مناسك الحج (الأرقام 2974، 2987، 2998؛ وفي سنن ابن ما جة: كتاب المناسك (رقم 3190).

وهناك صيغة أخرى أطول تشتمل على الكلمتين “بيده الخير” – (لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له المُلْك، وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) – نجدها في سنن ابن ماجة: كتاب الأدب (رقم 3931)، كتاب الدعاء (رقم 3994).

وأطول صيغة، وهي التي تشتمل على الكلمات: (يُحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير- (لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، يُحْيي ويميت وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) – نجدها في سنن الترمذي: كتاب الدعوات (رقم 3756)، وفي سنن ابن ماجة: كتاب التجارات (رقم 2320)، مع وجود اختلاف في أن هذا الحديث الأخير فيه: ” بيده الخير كله”.

ومن المهم أن نلاحظ، مع ذلك، أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وصف الصيغة الأولى (الأقصر) فقط على أنها “وخير ما قلت أنا والنبيّون من قبلى”، وعن تلك الصيغة فقط قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك”.

(هذه الاستشهادات تشير إلى نظام الترقيم في موسوعة الحديث (جمع جوامع الأحاديث والأسانيد) المنبثقة عن مشروع السنة، وهي قد تم إعدادها بالتعاون مع علماء الأزهر، وتشمل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة، وموطأ مالك).

(14)

الذكر المتكرر لله في القرآن الكريم

إن القرآن الكريم مليء بالأمر بتسبيح الله أو ذكره بشكل متكرر:

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الإنسان، 76: 25)
… فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ … } (النساء، 4: 103)
{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف، 7: 205)
{… وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} (آل عمران، 3: 41)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً.  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الأحزاب، 33: 41-42).
(وانظر أيضاً 2: 198-200، 2: 203، 2: 238-239، 3: 190-191، 6 : 91، 7: 55، 7: 180، 8: 45، 17: 110، 22: 27-41، 24: 35-38، 26: 227، 62: 9-10، 87: 1-17، وغيرها).

وعلى نحو مشابه، فإن القرآن الكريم مليء بالآيات التي تؤكد على الأهمية القصوى لذكر الله (انظر 2: 151-157، 5: 4، 6: 118، 7: 201، 8: 2-4، 13: 26-28، 14: 24-27، 20: 14، 20: 33-34، 24: 1، 29: 45، 33: 35، 35: 10، 39: 9، 50: 37، 51: 55-58، و 33: 2، 39: 22-23، و 73: 8-9 كما استشهدنا بها، وغيرها)، وأيضاً على النتائج الوخيمة التي تترتب على عدم ممارسة الذكر (انظر 2: 114، 4: 142، 7: 179-180، 18: 28، 18: 100-101، 20: 99-101، 20: 124-127، 25: 18، 25: 29، 43: 36، 53: 29، 58: 19، 63: 9، 72: 17 وغيرها؛ انظر أيضاً 107: 4-6).  ومن ثمَّ يقول الله تعالى في نهاية الأمر في القرآن الكريم:

 

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ …} (الحديد، 57: 16)
و {… وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} (طه، 20: 42)
و {… وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ …} (الكهف، 18: 24).

 

(15)

إن جميع النصوص الإنجيلية المستشهد بها هنا مأخوذة من “نسخة الملك جيمس الجديدة”، حقوق نسخ 1982، نشرتها دار “توماس نيلسون”، وقد استعملت بإذن، وجميع الحقوق محفوظة.

(16)

سنن الترمذي، كتاب الدعوات، الحديث رقم 3934.  حديث “خير الدعاء دعاء عرفة…”، المصدر السابق.

(17)

في أحسن تقويم

تتشابه المسيحية والإسلام في فهم مفاده أن الإنسان خُلق في أحسن تقويم وأن الله نفخ فيه من روحه.  ورد في سفر التكوين:
(سفر التكوين 1: 27) “فخلق الله الإنسان على صورته.  على صورة الله خلقه.  ذكراً وأنثى خلقهم”.  وأيضاً:
(سفر التكوين 2: 7) “وجبَل الرب الإله آدم تراباً من الأرض.  ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم  نفساً حيّة”.
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “خلق الله آدم على صورته” (صحيح البخاري: كتاب الاستئذان، 1؛ صحيح مسلم، كتاب البر 115؛ مسند ابن حنبل، 2: 244، 251، 315، 323، إلخ….، وغيرها).

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} (الأعراف، 7: 11)

{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.  وَطُورِ سِينِينَ.  وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ.  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.  ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ.  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.  فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ.  أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} (التين، 95: 1-8).

{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} (غافر، 40: 64).

{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ.  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم، 30: 29-30).

{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (ص، 38 : 72)

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.  وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.  قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.  قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ.  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.  وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (البقرة، 2: 30-35).

(18)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، الحديث رقم 13.

(19)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، 67 -1، الحديث رقم 45.

(20)

يتفق المفسرون القدامى للقرآن الكريم عموماً (انظر: تفسير ابن كثير، تفسير الجلالين) على أن هذه إشارة إلى (الحركات الأخيرة) في صلاة المسلمين.

(21)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، (دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1992م/1412هـ)، تفسير سورة آل عمران، 3: 64؛ المجلد 3، ص 299-302.

(22)

وفقاً للنحويين الذين ذكرهم الطبري (المصدر السابق نفسه) فإن كلمة “سواء” في عبارة “كلمة سواء بيننا” تعني أيضاً “عادل”، و”منصف”.

(23)

غبطة الأسقف ثيوفيلاكت (1055-1108 ميلادية) كان رئيس الأساقفة الأرثوذكس في أوكريد (في مقدونيا) وبلغاريا (1090- 1108 ميلادية).  كانت لغته الأم اليونانية التي كتب بها العهد الجديد.  وشرحه متوفر حالياً بالإنجليزية من “كريسوستوم برس”